نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
14
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
وذكر أن عيسى عليه السّلام كان يحيي الموتى بإذن اللّه تعالى ، فقال له بعض الكفرة : إنك قد أحييت من كان حديث الموت ولعله لم يكن ميتا فأحي لنا من مات في الزمن الأوّل ، فقال لهم اختاروا من شئتم فقالوا أحي لنا سام بن نوح فجاء إلى قبره وصلى ركعتين ودعا اللّه تعالى فأحبا اللّه سام بن نوح فإذا رأسه ولحيته قد ابيضتا فقيل ما هذا فإن الشيب لم يكن في زمانك ؟ قال سمعت النداء فظننت أن القيامة قد قامت فشاب شعر رأسي ولحيتي من الهيبة ، فقيل منذ كم أنت ميت ؟ قال منذ أربعة آلاف سنة وما ذهبت عني سكرات الموت . ويقال ما من مؤمن يموت إلا وقد عرضت عليه الحياة والرجوع إلى الدنيا فيكره لما لقي من شدة الموت إلا الشهداء فإنهم لم يجدوا شدة الموت فيتمنون الرجوع لكي يقاتلوا ثانيا فيقتلوا . وروي عن إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى أنه قيل له لو جلست حتى نسمع منك شيئا فقال إني مشغول بأربعة أشياء فلو فرغت منها لجلست معكم ، قيل وما هي ؟ قال أوّلها أني تفكرت يوم الميثاق حين أخذ الميثاق من بني آدم قال اللّه تعالى جلّ جلاله وتقدست أسماؤه « هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي » فلم أدر من أيّ الفريقين كنت أنا ، والثاني تفكرت بأن الولد إذا قضى اللّه تعالى بخلقه في بطن أمه ونفخ فيه الروح فقال الملك الذي وكل به يا رب أشقيّ أم سعيد ؟ فلم أدر كيف خرج جوابي في ذلك الوقت ، والثالث حين ينزل ملك الموت فإذا أراد أن يقبض روحي فيقول يا رب أمع المسلمين أم الكافرين ؟ فلا أدري كيف يخرج جوابي ، والرابع تفكرت في قول اللّه سبحانه وتعالى : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فلا أدري من أي الفريقين أكون . ( قال الفقيه ) طوبى لمن رزقه اللّه الفهم وأيقظه من سنة الغفلة ووفقه للتفكر في أمر خاتمته ، فنسأل اللّه تعالى أن يجعل خاتمتنا في خير ، ويجعل خاتمتنا مع البشارة فإن المؤمن له بشارة من اللّه تعالى عند موته وهو قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني آمنوا باللّه ورسوله وثبتوا على الإيمان ، ويقال ثم استقاموا يعني أدوا الفرائض ونهوا عن المحارم ، وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه تعالى يعني استقاموا أفعالا كما استقاموا أقوالا ، وقال بعضهم استقاموا على السنة والجماعة تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ يعني على الذين آمنوا واستقاموا تتنزل عليهم عند الموت الملائكة بالبشارة أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا يعني يقولون لهم لا تخافوا ما بين أيديكم من أمر الدنيا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ يعني الجنة التي وعدكم اللّه بها على لسان نبيكم صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويقال البشارة عند الموت على خمسة أوجه . أوّلها : لعامة المؤمنين يقال لهم أَلَّا تَخافُوا تأبيد العذاب ، يعني لا تبقون في العذاب أبدا ويشفع لكم الأنبياء والصالحون وَلا تَحْزَنُوا على فوت الثواب وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ يعني مرجعكم إلى الجنة . والثاني : للمخلصين يقال لهم أَلَّا تَخافُوا ردّ أعمالكم فإن أعمالكم مقبولة وَلا تَحْزَنُوا على فوت الثواب فإن لكم الثواب مضاعفا ، ولا تحزنوا على ما فعلتم بعد التوبة . والثالث : للتائبين يقال لهم أَلَّا تَخافُوا من ذنوبكم فإنها مغفورة